كتاب مفاتح تدبر السنة والقوة في الحياة

السبت 03 جمادى الثانية 1431

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: بلغني عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث في القصاص لم أسمعه منه فابتعت بعيرا فشددت رحلي ثم سرت إليه شهرا حتى قدمت مصر أو قال الشام فأتيت عبد الله بن أنيس فقلت: حديث بلغني عنك تحدث به سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أسمعه – في القصاص – خشيت أن أموت قبل أن أسمعه، فقال عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يوم يحشر العباد أو قال الناس حفاة عراة غرلا( ) بهما( ) ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عليه مظلمة حتى أقصه منه ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار ولأحد من أهل الجنة عنده مظلمة حتى أقصه منه حتى اللطمة، قال: قلنا:كيف وإنما نأتي الله عز وجل عراة حفاة غرلا بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات( )
كم من الأحاديث سنموت قبل أن نسمعها؟ وهي قريبة جدا منا لا تحتاج إلى سفر، وكم هي الأحاديث التي سمعناها ثم نسيناها؟ وكم هي الأحاديث سمعناها ونسمعها بل ربما نحفظها ولم نعمل بها؟ بسبب ضعف تدبرنا لها وفقهنا لما تضمنته من المعاني العظيمة، أو بسبب ضعف الدافع لتكرار قراءتها والتفكر فيها.
إن قراءتنا للقرآن أو للسنة -إن وجدت- تمر بشئ من العجلة والرغبة في الانتهاء من واجب مفروض؛ سواء مفروض بأصل الشرع أو فرضه الشخص على نفسه، ثم تجده يقفز إلى ما تهواه نفسه من برنامج أو جريدة أو مجلة يتابعها بهدف التسلية، أوبحجة فقه الواقع أو متابعة التخصص وهذا دأبه كل يوم فمتى سينتفع مثل هذا الشخص بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لست أرفض فقه الواقع أو متابعة التخصص؛ لكن هناك أولويات وهناك أصول وقواعد، فلا يصح أن نتفقه بالواقع ما لم نفقه الأصل الذي نقيس عليه، ونحكم به على الواقع وإلا كان فهمنا قاصرا ومختلا، فيجب أولا تحصيل المقاييس والموازين والأدوات التي نحكم بها على الواقع ثم بعد ذلك نشرع في فهمه، أما الانغماس التام بمتابعة الإعلام وهجر القرآن والسنة فهو منهج خاطئ.
إن المسلمين اليوم كثير؛ لكنهم غثاء كغثاء السيل، حتى بعض من يحسبون على العمل للإسلام والسعي في نصرته لو عرضتهم على بساط الامتحان لوجدت صورا من الجهل لا ترضي، تجد الجهل بأوضح آيات القرآن الكريم، وبأهم وأعظم الأحاديث النبوية، تجد القطيعة المستديمة لهذين المصدرين العظيمين، وهذا من المفارقات العجيبة كيف يريد أن ينتصر للإسلام وهو بعيد الصلة عن مصدر انتصاره؟ تجده يعد نفسه من الدعاة الغيورين والبارزين المشهورين وهو ضعيف الصلة جداً بالقرآن والسنة، لا يقرأ القرآن إلا يسيرا, أما السنة فلا يعرف منها إلا بعض الأحاديث التي يحتاجها للاستشهاد بها في كتاباته أو كلماته.
إن تفسير وجود مثل هذه الصور – فيما أرى – هو خلل في التربية من البداية، وفقد للآليات والطرق التي ترشد بيسر وسهولة إلى التعلق بالسنة وتدبرها.
قبل سنوات تلقيت دعوةً لحضور إحدى المناسبات وقد صدرت بحديث وكان هذا غريبا في مثل هذا الدعوات؛ ولما بدأت قراءة الحديث ساورني الشك في صحته فلما وصلت آخره إذا بعبارة : رواه مسلم! هل حقا هذا الحديث في صحيح مسلم؟ وكيف غفلت عنه طيلة هذه السنوات؟ رجعت وبشئ من العناء إلى موضع الحديث فوجدته، قرأته مرة أو مرتين ثم ذهب أدراج النسيان.
وبعد إحدى الصلوات كنت أقرأ في كتاب (المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح، للحافظ الدمياطي) وقرأت حديثا في بعض الدعوات المستجابة، فجاءني شخص يطلب كتابة الحديث في ورقة ليتسنى له الانتفاع به، هذا الرجل قد تخطى الستين من عمره وهذا الحديث موجود بين يديه منذ أن ولد فكيف مرت هذه السنوات من عمره وهو محروم من الاستفادة من هذا الحديث العظيم الذي يحتاجه كل مسلم في حياته كل يوم أشد من حاجته للهواء والطعام والشراب.
إن مثل هذه الصور هي حال كثير منا مع السنة النبوية، فهل يليق بنا أن نفرط في تلك الكنوز التي وهبنا الله إياها دون عناء أو تعب؟ وقد صلت إلينا محفوظة مصونة منقحة، وخاصة في هذه الأيام التي تسلط فيها الأعداء على بلاد المسلمين فسرقوا أموالها ونهبوا ثرواتها، واستضعفوا أهلها؛ فتدخلوا في أدق تفاصيل حياتهم: ماذا يأكلون؟ وماذا يشربون؟ وماذا يبيعون؟ وماذا يشترون؟ وماذا يعملون؟ وكيف يتعلمون؟ ولا غرابة في هذا لأنهم أدركوا أن استمرار تلك السرقات والاستيلاء على تلك الثروات لن يدوم لهم إلا بهذه الطريقة حين ينـزعون من الأمة مصدر قوتها ومنبع طاقتها.
إن كل مسلم لديه أصل التصديق بالقرآن الكريم والسنة النبوية ولديه أصل السمع والطاعة لهما متى وصل إليه النص بطريقة صحيحة وهذه قوة هائلة لو وجدت من يستثمرها لتحقيق النصر للمسلمين.
إن القرآن الكريم والسنة النبوية هما مصدر القوة التي استطاع بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن ينشر العدل والرحمة والخير بين الناس في نيف وعشرين سنة، وأن يجعل الملوك والرؤساء في ذلك الوقت يتساءلون عما جاء به وما مضمونه؟ وما سر نجاحه؟ في إقامة الدولة الإسلامية.
وفاعلية هذا العلم ليست خاصة به صلى الله عليه وسلم، أو بصحابته رضي الله عنهم بل هو متاح لكل من أجاد استعماله وتدرب عليه، وصفحات التاريخ ناطقة على صحة ما أقول.
إن صراع الحضارات هو صراع معنوي علمي قبل أن يكون صراعا ماديا.
إن أي أمة تجيد بناء بنيتها الأساسية -أعني بناء القوة المعنوية النفسية العلمية- لكل أفرادها رجالا ونساء، أطفالا وشبابا تضمن لنفسها القوة والثبات، وتضمن لنفسها العزة والكرامة وترفع عنها الذل وتحمي خيراتها من لصوص الحضارات.
ولتحقيق هذا الأمر العظيم في حياة الأمة هذه بعض المفاتيح التي تعين على تدبر السنة وتحقيق القوة بها في الحياة، وهي المفاتيح العشرة التي ذكرتها في تدبر القرآن الكريم أذكرها هنا لأمرين:
الأول: أن أنبه على أن هذه المفاتيح ليست خاصة بالقرآن الكريم بل يمكن تطبيقها أيضا على السنة النبوية، بل هي أدوات ومنهج لأي قراءة تربوية لأي كتاب، فأي قراءة تطبق عليها هذه المفاتيح أو معظمها تجد أن استفادتك مما تقرأ تكون أعلى وأقوى.
الثاني: هناك بعض الفروق في بيان هذه المفاتيح في حق السنة النبوية وهو ما أركز الحديث عليه هنا وأقتصر عليه ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب مفاتح تدبر القرآن.
هذا والله أسال أن ييسر لنا حفظ سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يرزقنا الاقتباس من نور علمه وحكمته ما يحقق لنا القوة والكرامة والعزة، ويحقق لنا السعادة والطمأنينة والنجاح في الحياة، إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.